محمد الريشهري
236
المحبة في الكتاب و السنة
على الإطلاق مع حبّ الدنيا ، ولا يتيسّر للإنسان معرفة اللَّه وحبّه طالما كانت هناك ذرّة واحدة من غبار حبّ الدنيا جاثية على مرآة قلبه . وهنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مفاده : ما حبّ الدنيا ؟ ولماذا يتعذّر اجتماعه مع حبّ اللَّه ؟ إنّ الدنيا في الرؤية الإسلاميّة عبارة عن اتّخاذ الإمكانات واللذائذ المادّيّة والدنيويّة هدفاً ، أمّا إذا كان التمتّع باللذائذ المادّيّة والدنيويّة مقدّمة للسموّ المعنوي والأخروي ، ومدعاة للقرب الإلهي ، فهذا لا يعتبر في الرؤية الإسلامية ميلًا نحو الدنيا ، ولا يشكّل عائقاً يحول دون محبّة اللَّه ، بل على العكس هو بمثابة مقدّمة تمهّد الأجواء لحبّ اللَّه . ولكن إذا اتّخذت اللذائذ المادّيّة كهدف ، ففي ذلك خطورة جمّة تهدّد القيم المعنويّة وركائز المحبّة : « ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ » « 1 » . كيف يتسنّى لقلب امتلأ بحبّ الدنيا وغمرته الظلمات ، أن يكون للرحمن عرشاً ويتجلّى فيه نور السماوات والأرض ! وانطلاقاً من هذه الرؤية قال إمام العارفين : « كَما أنَّ الشَّمسَ وَاللَّيلَ لا يَجتَمِعانِ كَذلِكَ حُبُّ اللَّهِ وحُبُّ الدُّنيا لا يَجتَمِعانِ » . « 2 » ولا يبدو هنا فارق ما بين اللذائذ المحلّلة والمحرّمة ؛ لأنّ اللذائذ المحلّلة أيضاً إذا اتّخذت كهدف فهي تؤدّي بالمرء إلى الانغماس في الظلمات ، وتحول بينه وبين الحبّ الحقيقي للنور المطلق . وفي هذا المعنى قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لأبي ذرّ : « لِيَكُن لَكَ فِي كُلِّ شَيءٍ نِيَّةٌ صالِحَةٌ حَتَّى الأَكلَ وَالنَّومَ » . « 3 » ومن الطبيعيّ أنّ اللذائذ المحرّمة تغمس صاحبها في ظلمات أكثر ، وتحجبه بحجب وحواجز أكبر .
--> ( 1 ) . الأحزاب : 4 . ( 2 ) . انظر : ص 295 ح 1180 . ( 3 ) . مكارم الأخلاق : 2 / 370 / 2661 .